سماء تمطر خوفًا: الذات في سردية التحولات الكبرى سماء تمطر خوفًا: الذات في سردية التحولات الكبرى

 

رياض حَمَّادي

إنها رواية التحولات الكبرى التي عصفت باليمن. وللمقارنة بين هذه الأجيال والأزمنة يعقد السارد مقارنة افتراضية تنبني على واقع يسير إلى الوراء، فيقول:

"لو أن صورة التقطت قبل سنوات، وأخرى التقطت اليوم، ستكون الصورة القديمة ملونة، والصورة الحديثة بالأبيض والأسود!" (الرواية: 60)

حكاية ثلاثة أجيال

رواية "سماء تمطر خوفًا" لغسان خالد، إحدى الروايات الفائزة بجائزة السرد اليمني- حزاوي 2023م، تسرد حكاية ثلاثة أجيال يمنية. والعدد هنا لا يقصد به الدقة؛ فالأجداد يشملون كل ما سبق من أجيال عانت ما عاناه الآباء وما يعانيه الأبناء في حاضر الرواية وواقع القارئ.

"دُمِّرت البيوت على ركام ذكريات وكفاح وقصص منسية وأسرار منازل، علاقة تاريخية سيئة مع أحلام السلام، البسطاء فيها هم الجانب المقهور دائمًا. فهي تدرك من تجربة جدها أن هذه الدُّور لم تُبنَ من خيرات البلاد واستقرارها السياسي والاجتماعي، بل بنيت بثمن الغربة والعرق تحت سماء شرق أفريقيا." (الرواية: 108)

رواية عن أحلام تلاشت في الجيل الأول وتسربت إلى الجيل التالي، واستُنفدت في جيل ثالث انتهى إلى التيه ومخيمات النزوح. تغرَّب الجيل الأول في أفريقيا، وتلاشى حلمه بوطن يجمع شتاته، وتغرب الجيل الذي يليه في وطنه، ومع كل جيل كان الإحساس بالوطن والشعور بالهوية والانتماء وسؤال الوجود يُفقد تدريجيًا كطفل يفطم من ثدي أمه قسرًا. ولا يُفطم الإنسان في طفولته من ثدي أمه فقط، بل يفطم من كل ما له علاقة بقيم الحرية والحياة لصالح أحلام السلاح.

"يولد الطفل بمشاعر ذكية واضحة وبداخله بذرة صنع قدره. يصرخ حين يحتاج إلى الطعام، ويبكي حين يحتاج حضن أمه. وبإرادة قوية يتعلم الحبوا والنطق بالكلمات، وحين يستطيع تبادل الفهم مع من حوله، يُسجن بأفكار بيئته. لا يفطم من الحليب فقط، يفطم من حرية التعلم والاختلاف والتعبير عن رأيه. وعندما يصير في عمري يفطم من التعامل مع الآخرين. وحين يكبر أكثر ويقول الأشياء التي لا ترغب بها السلطة، يفطم من الحرية ويعيش في السجن." (الرواية: 61)

لا يقدم النص حربًا أيديولوجية أو سياسية، بل يقدّم أثرها: الخواء، الشتات، الغياب، وطفولة لا تُعاش كما بجب، وحياة لا تكتمل. ترصد الرواية تحولات اليمن خلال عقود عدة، مركزةً على جيل الأبناء- منذ التسعينيات وحتى العقد الثاني من الألفية الجديدة- وتستدعي بتقنية الاسترجاع زمن الآباء والأجداد، وتفعل ذلك من زاوية إنسانية شديدة الالتصاق بالتجارب الصغيرة.

يبدأ النص من رحلة مدرسية إلى عدن، تُسجل بعين مراهق يزورها برفقة زملائه بعد أن خرج منها طفلًا غفا على أمان حضن الأم والأب واتساع البحر واستيقظ على حرب لا يفهمها:

"آخر مرة رأيت فيها البحر من زجاج نافذة السيارة التي حملتنا إلى القرية وأنا في السابعة من عمري. كان يبتعد عني ويختفي وراء المنازل. نمتُ خلال الطريق واستفقت على تسونامي حياة حرب صيف 94." (الرواية: 5)

ثم يسرد الراوي المشارك، حسان الخالد (من الجيل الحاضر)، تجربة عودته من مدينة عدن إلى قريته في ريف تعز، واختفاء والده بعد الحرب، وخراب المجتمع وانقسامه، وضغائن السياسة التي جعلته يفقد أمه بسبب أقرب الناس إليها. الكثير من السلوكيات تغيرت والكثير من القيم اختفت. يسعى الخالد لفهم وجوده بين كل هذه المتغيرات والخراب الكبير. وتشاركه هذا الهم راية صقراوي؛ والدها مهندس زراعي ووالدتها طبيبة عدنية، عادوا إلى القرية بعد أن دمر صاروخ منزلهم في عدن.

في القرية تبدأ العائلة حياة جديدة بافتتاح الطبيبة فتحية عيادة في القرية. تتوقف الرواية في القرية فنتعرف على عالمها وناسها، ستحب شخصية الجد وشخصية شاجع الذي يفيض حكمة ويروي قصصًا غرائبية. لكن هذه الجنة الصغيرة لن تصمد طويلًا؛ ثمة محرك للشر اسمه سالم المسلم، وثمة حرب لا تهدأ إلا لتواصل هوايتها الأبدية في تشريد الناس!

من الموت الوحشي إلى الموت الرحيم

تتسم الرواية بنفَسٍ سردي متدفق لم يفقد شحنته العاطفية من بداية الرواية حتى نهايتها، وتنقسم في المجمل إلى قسمين: رواية حسان الخالد، يرويها بضمير المتكلم، ورواية راية صقراوي تُسرد بضمير الغائب، السارد العليم. يسرد هذا الجزء تفاصيل حياة راية في ثلاث محطات، تنتهي إلى محاولة مقارعة الشر بالشر وتحوُّل الضحية إلى جلاد أو الإيهام بذلك.

كانت راية- مثل حسان- تحلم بدراسة الأدب، لكنها ظلت طريقها إلى الطب، ودفعها النزوح إلى العمل في مستشفى. هناك كانت راية تتسلح: "بزجاجات الموت الرحيم في جيوبها، تغافل الصيدلاني المناوب وتضع علب من مادة الموت في جيوبها، وتغوص بها في أوردة من تختارهم (للموت الرحيم)." كانت "تعتقد أن الأجساد القريبة من الموت تفصح عن نفسها، يُقرأ الموت في عيونهم، يندي من بشرة أجسادهم، يظهر في الخوف الذي يقيدهم ونفاد رغبتهم بالمقاومة." (الرواية: 166)

هل كانت راية تقتلهم فعلًا؟ وهل قتلت مدير المستشفى الذي أراد مساومتها على جسدها مقابل تزويدها بمؤن تساعد بها الناس أم أنها كانت تهذي؟

يجيب السارد العليم بلغة يتسرب منها التشكيك في أفعالها: "هي بلا شك الكوابيس التي تنال ضحايا الحرب. وقد يكون من بينها ملامح ذلك المغتصب." (الرواية: 177) "وفي مفترق الدرج الصاعد إلى مكتب المدير العام خُيّل لها أنه يحدق نحوها من شاشة الكاميرا." (الرواية: 187) ويزيد في التشكيك بمقتل المدير بقوله:

"خلال الأيام السابقة لم يفتقد أحد المدير العام، ظل مكتبه مغلقًا ومضاءً من الداخل. لم يطرق أحد من العاملين بابه. اكتشفت راية التقليد الذي يتبعه، حين يغلق الباب يعني هذا أنه لا يريد مقابلة أحد. أصبح المستشفى يُدار بالشائعات. تصل القرارات إليهم عبر خبر ينتشر بين العاملين كإشاعة ثم يصبح حقيقة، لكن القرارات المهمة توضع على لوحة معلقة على زجاج الصيدلية من الداخل، وممهورة دائما بختم وتوقيع المدير العام." (الرواية: 187)

هذا الإيهام بتحول الضحية إلى جلاد بذريعة تحقيق العدالة بيد الإنسان واختيار "الموت الرحيم" كأداة، لا يخلو من تلميح بالعجز وباختيار طريقة للموت أرحم من القتل بيد الحرب.

من السارد المتكلم إلى السارد العليم

هذا التحول في تقنية السرد له مبرراته الفنية/ الشكلية والحتمية؛ فهناك أحداث لم تَشْهدها راية ولم يكن بالإمكان سردها إلا بعيون عالِم الغيب السردي، أما المبرر الفني/ الشكلي فيتمثل في تنويع آليات السرد ليضفي حيوية على النص.

حسان نفسه يصبح راويًا عليمًا أحيانًا فيتتبع الشخصيات من خارجها، يصف البيت القديم قبل ترميمه وبعده، يرافق العائلة في مشروع العودة والاستقرار، ويتابع الأخبار التي تتعلق بالأب الذي فقد منزله ووالديه في عدن. الجزء الأول- المتعلق بطفولة حسان ومراهقته- هو "خبرة ذاتية"، والذات المتكلمة لديها قدرة أكبر على سردها. ثم يأخذ هذا الجزء شكلًا سرديًا أكثر اتساعًا، فيه تتضح خطوط أخرى عامة مثل: انتقال العائلة بين عدن والقرية، إعادة بناء البيت بوصفه رمزًا للمقاومة ومحاولة النجاة، الحرب ومآلاتها والنزوح...

حكاية حسّان يمكن أن يرويها السارد العليم لكن ضمير المتكلم يعكس محدودية الوعي ومحكوم بحدود التجربة الشخصية. لا يعرف المتكلم إلا ما عاشه، رآه، أو سمعه، أو تخيّله. لا يستطيع التسلل إلى وعي الآخرين ولا شرح ما يجري خارج مجال إدراكه. السرد بضمير المتكلم له قيمة جمالية فهو يمنح الرواية صدقًا نفسيًا ونبرة شخصية حميمية. وكان بإمكان راية أن تروي ما حدث لها بلسانها لولا وجود محطات سردية لا تطالها عينها المراقبة، إضافة إلى أن الهم عام أكثر منه هم خاص كما هو في الجزء المتعلق بحسان.

الجزء الثاني يتعلّق بقصّة ليست كلها ضمن وعي حسّان، ولا وعي راية وخبرتها وتجربتها المباشرة. قصة راية صقراوي ووالديها، والقصف الذي تعرضوا له، والرحلات بين المدينة والقرية والعكس وما يجري للمرضى والجرحى في المستشفى وللنازحين واللاجئين في المخيم وغرق والدَي راية في البحر أثناء النزوح وانتشالها بمعجزة... هذه وغيرها أحداث يتعذر سردها من الداخل، أو فهم دوافعها بدقة؛ لذلك يملأ السارد العليم الفراغات التي لا يستطيع السارد المتكلم ملأها.

انتقال حسّان وراية من "الذات الصغيرة" إلى "العالم الخارجي"، واتساع العالم الحكائي، من الذاتي إلى الموضوعي، دافع آخر لاختيار السارد العليم في الجزء الثاني من الرواية. فكلما اتسع نطاق الرواية، احتاج السرد إلى عينٍ قادرة على رؤية الشخصيات جميعًا، ومعرفة ما يجري في أماكن مختلفة في الوقت نفسه. التحول في السرد يعكس أيضًا التحول في وعي البطل: من تجربة ذاتية مغلقة إلى شبكة علاقات وحوادث تتجاوز قدرة الذات المتكلمة على الفهم والكلام.

السارد العليم يضمن رؤية بانورامية دقيقة، وحكاية راية تحتاج عينًا عليمة تربط أجزاءها المتناثرة وأحداثها التي تتقاطع مع أماكن وأزمنة لا يمكن لراية معرفتها كلها. عين قادرة على تجميع ما تراه، وما لا تراه، وما تسمعه وما لا تسمعه. والرواية في جزئيها تحتاج هذه الثنائية (المتكلم والعليم)؛ لتقارن بين من يراقب، ومن يختبر فتخرسه المعاناة. صمت راية هو جزء من كينونتها: سكونها، نظراتها، حضورها، علاقتها بوالديها… كل ذلك يخلق شخصية لغتها الأساسية هي الصمت لا السرد، ومنحها صوتًا سرديًا مباشرًا ممكن لكنه سيخالف جوهرها.

الشخصيات وتحولاتها

تبدو الحكاية في البداية ذاتية لكن يتّسع هذا المسار الذاتي تدريجيًا لينفتح على شخصيات وحكايات أخرى في القرية والمدينة: شخصية السائق شاجع، التي تمزج الواقعي بالغرائبي، علاقة حسّان بجديه وغياب والده، بداية التحول من اللعب إلى الوعي بما يجري. ومن بيت حسان ينتقل النص إلى بيتٍ آخر: بيت صقراوي، وخصوصًا ابنته راية التي تتقاطع طفولتها مع طفولة حسّان. ثم تتسع خارطة الحكاية لتشمل الوطن بمدنه وقراه ومخيماته وعرائه... فنلتقي بعمو الدكان الذي سيصير ساري الكريم، وماريا حبيب الصحفي التي ستتخفى وراء اسم نحلة عامر، ومدير المستشفى وسلوى وأمها...

يقف شاجع بين الواقع والخيال، بين السخرية والهذيان، بين الحكمة الشعبية والجنون. هو سجلّ شفهيّ للحكايات التي تتناقلها القرى، ورمزٌ للعطب الإنساني في بلدٍ بلا يقين. الجد والجدة: هما ذاكرة الأسرة وملاذها. يمثلان الجذور التي يتمسك بها حسّان كلما عصفت به تحولات العالم.

صقراوي وزوجته فتحية وابنتهما راية: يتلقون الحرب مباشرة: يفقدون البيت في عدن، ثم يحاولون إعادة ترميم حياتهم في القرية ويلقى الأب والأم حتفهما في البحر وهما يحولان النجاة بعيدًا عن الوطن بالطريق الذي كان متاحًا للأجداد ولم يعد كذلك اليوم. راية، تحديدًا، تمثل الآخر المكمل لحسّان، الطفولة التي تسير بمحاذاة طفولته وتُظهر اختلاف المسارات بين الاثنين.

شخصية نحلة العامر أو ماريا الصحفي أرى فيها صدى لقصة واقعية بطلتها "فتاة" فرت من عائلتها الماركسية في عدن لتعيش مع عائلة متدينة في صنعاء ويتزوجها رجل دين غصبًا. وقد سبق أن وظف حبيب سروري هذه الشخصية كرمز لاختطاف عدن من قبل صنعاء في روايته "ابنة سوسلوف". في القصة الواقعية اختفت "لينا" من عدن في 1991، لتظهر منقبة في صنعاء، ثم عُثر عليها مقتولة بالقرب من منزل الشيخ عبدالمجيد الزنداني. سنجد لهذه الأحداث صدى في ابنة سوسلوف (انظر: ص 137 إلى 140). يوظف الروائي الشخصية الواقعية فيمد في عمرها لتتطابق، واقعياً، مع شخصية ناشطة حقوقية وثورية إخوانية تصدرت المشهد الاحتجاجي في اليمن عام 2011 (بدءا من ص 163). وفي "سماء تمطر خوفًا" تفر ماريا حبيب الصحفي من مغتصبها رجل الدين "سالم المسلم"، وتتخذ اسمًا آخر هو نحلة عامر، تفر منه ثم تموت على يديه. سواء كانت هذه الشخصية متخيلة أو مقتبسة من شخصية واقعية فالأهم هو توظيفها على نحو يخدم سياق القصة المتخيلة، وهذا ما أراه قد تحقق في الروايتين. وهذا ينطبق أيضًا على شخصية سالم المسلم.

سالم المسلم هو محرّك خفي للمأساة، ووجوده في النص يكشف علاقة الرواية بالبُنى الاجتماعية والدينية والسياسية. هو خال حسّان، أي أنه من صلب العائلة، وهذا يجعل الخيانة أكثر إيلامًا. وهو المسؤول المباشر عن تغييب والد حسّان. ينتمي لجماعة دينية تعمل وفق منطق الطاعة، ويستغل الدين لخدمة مصالحه. شخصية انتهازية تغيّر ولاءاتها بحسب السلطة الحاكمة. هو موظّف في البنية السلطوية الأيديولوجية أكثر من كونه فردًا عابرًا. بهذا المعنى، سالم ليس شخصية ثانوية؛ إنّه مركز سردي مظلم، يضيء عبره النص علاقة المجتمع اليمني بالسلطة، والدين، والذكورية، والوصاية العائلية.

سالم المسلم في "سماء تمطر خوفًا" يشبه في تحوله شخصية سالم في رواية "ابنة سوسلوف". في رواية حبيب سروري يقول السارد: كان سالم "قيادياً من الطراز الرفيع، ودونجوانًا من الطراز الأرفع أيضاً... ويجيد الربط الديالكتيكي بين النظرية والممارسة! المُنظِّر الماركسي اللينيني الرسمي بامتياز... المؤدلج الرسمي الذي لا يمل الحديث عن (سمة العصر)... " (ابنة سوسلوف: ص 14، 53، 54، 55)، صار بعد الحربين "رجلاً يعبر وحيداً في ركن شارع، فَقَدَ أُبّهته... وبريق عينيه، نظراته ترابية خافتة تغيب في فراغ، لا ينبض فيها غير القلق والخوف..." يتحول سالم "من أقصى الإلحاد الماركسي اللينيني المدوي إلى أقصى التظاهر الشكلي والتشدق الصارخ وغير المهذب بالدين." فيمتنع عن مصافحة النساء قائلاً إنه "متوضي!". (ابنة سوسلوف)

أثناء النزوح تظهر شخصية "عمو الدكان" وهو سائق باص يساعد النازحين ويمثل أبًا بديلًا للأطفال. يشبه في دوره هذا شخصية روبن هود، الذي يسرق الأغنياء من أجل مساعدة الفقراء. لا يخجل "عمو الدكان" من وصف نفسه بأنه "سارق" لكنه- كما يقول- ليس "لصًا". سيتحول إلى "لص" لاحقًا حين يصير اسمه "ساري الكريم: المنسق المحلي لمنظمات الإغاثة الأجنبية". في دوره الجديد هذا "لم يعد سارقًا. صار لصًا الآن." كما يصفه السارد العليم وتصفه راية.

في دوره الأول يميز "عمو الدكان" أو السارد بين السارق واللص:

"السارق لا يسرق لنفسه فقط، والأهم أنه ليس لديه ارتباطات حكومية ولا حزبية ولا دينية. بينما اللص يسرق لنفسه فقط ولديه جميع الارتباطات السابقة بالإضافة إلى ولائه العابر للحدود. فهو أكثر جبنًا في داخله مما يتخيل أي إنسان رغم أنه محمي بالقبيلة والدولة والانتماء الديني والسياسي والولاء الخارجي." (الرواية: 117)

وقبلها يؤكد السارد أنه لا فارق بين اللص والقاتل:

"ثمة مكان شاغر لقاتل وليس للص، رغم أن اللص هو قاتل، والقاتل هو لص، الفرق بينهما هو أداة الجريمة والشيء الذي يسلبه من الناس." (الرواية: 117)

عن هذا التحول تقول راية:

"يعمل اللصوص في مناصبهم الجديدة بسرية مهنتهم التي أوصلتهم إلى هذه الرتبة. لا بأس أن استخدموا مهاراتهم السابقة وأضافوا ارتداء الأطقم الرسمية في تعمية الناس عما يقومون به. حين أحرق عمو الدكان بطاقات سالم المسلم لم نكن نتصور أنه يحرق المرحلة السابقة، ليمد يده له في المرحلة القادمة." (الرواية: 218)

حين كان عمو الدكان سارقًا كان رحيمًا، وحين أصبح لصًا انتزعت الرحمة من قلبه.

هكذا، تُسقطُ تفاحة الحرب آدم وحواء الحكاية (حسان وراية)، من جنة السلام المؤقتة، ونعيم الطفولة في القرية. تشتت حسان الخالد وراية صقراوي وفراقهما لاحقًا يعطي صورة لشتات شعب بأكمله. وبعد أن يتابع القارئ هذا التشظي يبرز سؤال في ذهنه: هل سيلتقيان؟!

في النهاية حمى حسان راية من أن تتحول إلى جلاد: "اختفى الجميع: النازحون واللاجئون. وبقيت وحيدة ينزف قدماها دمًا أحمرا في قلب مخيم خالٍ، بينما تضغط بقوة وهلع على الجرح الذي أحدثته في كتف حسان قبل قليل." (الرواية: 130)

اختيار النهاية المفتوحة هو انحياز لواقع قائم على الانتظار. نهاية مفتوحة على الاحتمالات وعلى أمل بإمكانية استكمال قصة الشابين أو قصة اليمن في رواية لاحقة.