الهروب الأخير كيف تُهزم الأحلام الكبيرة؟ الهروب الأخير كيف تُهزم الأحلام الكبيرة؟

"الهروب الأخير": كيف تُهزم الأحلام الكبيرة؟

 

رياض الحَمَّادي

 

رواية "الهروب الأخير" لأحمد المفلحي (خليفة المفلحي) عمل يستعيد ويُشرِّح مرحلة سوداء ومؤلمة من تاريخ اليمن الحديث؛ حرب المناطق الوسطى في زمن كان فيه اليمن مشطرًا إلى شمال وجنوب. وخلال تسريد تلك الفترة تتداخل السياسة بالاجتماع، والثورة بالبنية العميقة للمجتمع، والحلم بمآلاته المأساوية.

الرواية الفائزة بجائزة السرد اليمني (حَزَاوي 2024)، لا ترصد فقط زمن الحروب الوسطى التي اندلعت خلال مرحلتين: قبل تولي إبراهيم الحمدي للرئاسة، ثم بعد مقتله، واستمرت هذه المرحلة خمس سنوات، من 1978م حتى عام 1982م، بل تسرد إرهاصات هذه الحرب وأثرها وتداعياتها التي امتدت إلى ما بعد زمن الحرب الفعلية.

يبدأ زمن الحكاية من حاضر 1994 وينتهي به، وعبر الاسترجاع تعود الحكاية إلى زمن التحاق أبطال الحكاية الخمسة بالجبهة (1980). والرواية في هذا التسريد لا تكتفي بالتأريخ الوقائعي، بل تربط هذه المرحلة- المحركة لأحداث الحكاية- بجذورها السابقة وبنتائجها اللاحقة، في محاولة لفهم الشروط التي أنجبت الحرب، والآثار التي تركتها على اليمن، وعلى الأفراد الذين وجدوا أنفسهم وقودًا لصراع أكبر منهم.

من التاريخ إلى الاجتماع: السياسة كمدخل لا كغاية

الأحداث السياسية والعسكرية في الرواية تُستثمر كأفق ضاغط يكشف ما هو أعمق: البنية الاجتماعية المختلّة، والتناقضات الكامنة في الريف والمدينة، وفي علاقات القوة التقليدية، وفي أنماط التفكير التي سبقت الثورة واستمرت بعدها.

هنا لا يعود الصراع بين الشطرين سوى أحد وجوه أزمة أوسع، تتجلى في الإقطاع، والتمييز الطبقي، والصراع القبلي والعائلي، وفي أنماط حكم أعادت إنتاج التخلف بدل أن تتجاوزه. بهذا المعنى، تنزاح الرواية من سرد "وقائع" إلى تشريح "شروط"، ومن تسجيل الحدث إلى مساءلة ما جعله ممكنًا وضروريًا في آن. والغاية من هذا كامنة أحيانًا بين سطور اللغة وظاهرة حينًا بلغة خطابية. لكن الخطاب الأبلغ- الذي يلمسه القارئ- هو في مصير الشخصيات، أو من بقي منهم: مراد وعلي.

خمسة شباب… وخمسة مسارات للخيبة

يعتمد البناء السردي على لقاء خمسة شبان ينخرطون في صفوف الجبهة، لكل واحد منهم خلفيته الاجتماعية، وجرحه الخاص، ووعيه المختلف بمعنى المقاومة والثورة. يجمعهم في البداية أفق واحد، لكن الرواية سرعان ما تكشف أن وحدة الهدف لا تعني وحدة المصير. والجميل في الرواية هو اعتمادها على حيل سردية تفاجئ القارئ حين يكتشف دوافع أخرى خفية وراء الخطاب الثوري الظاهر.

ومن خلال مصائر هؤلاء الخمسة، تفتح الرواية ملف القضايا الاجتماعية الكبرى التي كانت سائدة في تلك المرحلة، ومازال بعضها قائمًا، وتكشف سلبياتها العميقة: من الإقطاع، والتمييز الطبقي، والصراع القبلي والعائلي، إلى التخلف الذي رافق مراحل الحكم المختلفة في الشمال، فضلًا عن طبيعة الصراع بين الشطرين. كما تتناول طبيعة الحكم في كل منهما، ومآلات الثورات وحركات المقاومة، والدور الذي لعبته التيارات الانتهازية في حرف المسارات وتفريغ الشعارات من مضمونها.

تتشعب المسارات، ويُكتب لكل شخصية مآل مختلف، كنتيجة منطقية لتقاطع الذاتي بالموضوعي، والشخصية بتاريخها، والمكان ببنيته، واللحظة السياسية بتناقضاتها. ومن خلال هذه المصائر المتباينة، تشتغل الرواية على تفكيك صورة "المناضل" بوصفها صورة واحدة صلبة، لتستبدل بها طيفًا من الذوات المهزومة أو الملتبسة أو المخدوعة.

نقد الداخل: حين تأكل الثورة أبناءها

نعرف أن الإيديولوجيات تستغل عواطف الناس لتزجّ بهم في معاركها، وهذا مطروح في روايات كثيرة، لكن "الهروب الأخير" تضيف إلى هذه الفكرة بُعدًا مهمًا: عن الناس الذين يرتدون عباءة الإيديولوجيات وهم يضمرون استغلالها لتحقيق مصالحهم الخاصة.

وأحد أهم إنجازات الرواية أنها لا تتوقف عند نقد الخصم السياسي أو "الطرف الآخر"، بل تتجه بجرأة إلى نقد الداخل: أخطاء الثورة نفسها، وممارسات بعض قادتها، وانحراف الشعارات عن مقاصدها الأولى، وتحول الصراع من مشروع تغيير إلى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية والقبلية والمناطقية.

في هذا السياق، لا تُقدَّم التيارات الانتهازية كاستثناء، بل كنتاج بنيوي لواقع لم يُفكَّك أصلًا، وجرى القفز فوقه باسم الشعارات الكبرى. وهنا تلتقي الرواية مع سؤال مركزي: هل كانت الهزيمة كامنة في الشروط الأولى نفسها؟

مراد: من الفعل إلى الوعي المكسور

يتجسّد هذا السؤال وغيره في شخصية مراد، الذي يمكن اعتباره المركز الشعوري للرواية. تتابع الرواية التحولات النفسية التي يعيشها، وما يعتريه من إحباطات ويأس... حين يصطدم بأخطاء الثورة، وبممارسات بعض قادتها، وبانحرافهم عن الأهداف المعلنة، وانشغالهم بتصفية حسابات لا علاقة لها بالمشروع الذي ضحّى من أجله الكثيرون.

مراد ليس بطلاً بالمعنى الملحمي، بل ذاتًا تتآكلها التناقضات: بين ما آمنت به وما رأته، بين ما حلمت به وما انتهت إليه. ما يعيشه مراد ليس مجرد إحباط سياسي، بل انهيار أخلاقي ومعنوي لفكرة كانت تمنح حياته معنى. ومع تراكم الصدمات، يتكثف لديه إحساس بأن ما جرى لم يكن مسارًا نحو التقدم، بل سلسلة من الانزلاقات، أو كما يختزلها هو نفسه: هروب متواصل.

ينتهي الحال بمراد وهو يحاول استعادة وظيفته وراتبه. يقف بين خيارين: أن يبقى في القرية للفلاحة ورعي الأغنام أو أن يناضل بالكلمة من أجل استعادة حقه في الوظيفة والراتب. ويكشف السياق عن انتقام السلطة من أفراد المقاومة؛ ما يعني أنها لم تستوعب ما جرى. وهي بهذا تضع بذورًا لثورات أخرى قد يعجز عن إشعالها جيل مراد، لكنها لن تُعيي أجيالًا أخرى.

الهروب بوصفه بنية وجودية

الهروب في الرواية ليس حدثًا أو قرارًا، بل يتحول إلى استعارة كبرى: هروب من القهر إلى الوهم، ومن الوهم إلى خيبة جديدة، ومن مرحلة إلى أخرى، من دون أفق خلاص حقيقي. حتى الفعل الثوري ذاته يبدو، في نهاية المطاف، كأنه شكل من أشكال تأجيل المواجهة مع البنية العميقة للمجتمع.

بهذا المعنى، تكتب الرواية سيرة جيل كامل، لا سيرة فرد واحد: جيل ظنّ أنه يصنع التاريخ، فإذا به يكتشف متأخرًا أنه كان يتحرك داخل مصيدة أكبر منه. وقيمة الرواية هنا لا ترتبط بتاريخ محدد بل بدلالاتها التي تنسحب إلى الحاضر، ليس حاضر اليمن وماضيه فحسب، بل المجال الإنساني؛ باعتبار أن الحكاية تسجل وقائع ثورة يمكن أن تحدث بهذه الشروط والمآلات في أي زمن ومكان.

يشير عنوان الرواية بوضوح إلى "الهروب" ويوصف بأنه "أخير"، بما يفترض ضمنًا أن سلسلة من الهروب قد سبقته. وهو عنوان يشي، للوهلة الأولى، بمفارقة ظاهرة: كيف ينسجم "الهروب" مع صورة الإقدام والشجاعة التي يبدو عليها أبطال الرواية وهم ينخرطون في فعل المقاومة دون قسر من أحد؟ هذه المفارقة لا تعالجها الرواية على مستوى التصريح المباشر، لكنها تترك للقارئ أن يستنبط دلالاتها من المضامين العميقة ومن بين سطور الحكاية نفسها.

الأبطال الخمسة لا يُقدَّمون بوصفهم مجرد مناضلين، بل بوصفهم تمثيلات رمزية لحال اجتماعي أوسع: حال مجتمع يفرّ أفراده، في كثير من الأحيان، من مواجهة قضاياه الحقيقية داخل بنيته الاجتماعية، فينقلون هذه القضايا إلى ساحة القتال، ويعيدون تعريفها بوصفها قضايا سياسية أو ثورية.

هنا، لا تكون الجبهة دائمًا تعبيرًا عن وعي سياسي ناضج، بقدر ما تغدو أحيانًا وسيلة التفاف على عجز اجتماعي أو نفسي: فهذا يعجز عن حل مشكلته مع الشيخ، فيلجأ إلى التخلص منه عبر الجبهة؛ وذاك يعجز عن مواجهة المتحرش أو المعتدي في سياقه الاجتماعي الطبيعي، فيصفي حسابه معه بسلاح "المقاومة"؛ وثالث يكبت الإهانة والتمييز الطبقي الواقع عليه، فيجد في زي الجبهة وبندقيتها وسيلة لتعويض رمزي عن مكانة اجتماعية مهدورة. ومنهم من لم يجد التقدير في قريته فيبحث عنه في القضية الكبرى. وهناك من لا يحتمل انهيار الأوهام، فيفرّ إلى الجنون، أو يُدفَع إليه، بعد أن تتحطم الآمال بغدٍ أجمل.

بهذا المعنى، لا يعود "الهروب" في الرواية مجرد انتقال من ملاذ إلى آخر، بل يتحول إلى بنية نفسية واجتماعية: هروب من مواجهة الأسباب العميقة للمشكلات، إلى تعميمها، أو تأجيلها، أو تفجيرها في ساحة أخرى.

أما "الهروب الأخير"، فليس اقتراحًا تطرحه الحكاية، بل سؤالًا تطرحه دلالاتها. إذ لا يمكن أن يكون ثمة هروب أخير حقًا، ما لم يُستوعَب سبب المشكلة في أصلها، وما لم يُفكَّر في طرق معالجتها داخل المجتمع نفسه، وبوسائل سلمية، بدل الاستمرار في تدويرها داخل منطق العنف، الذي لا ينتج سوى هروب جديد، باسم جديد، وفي هيئة جديدة.

عبر الحوارات بين مراد ورفيقه علي تعيد الرواية تعريف التضحية والشجاعة والانتحار، والفارق بين الحرب والثورة. يقول علي بلسان حال يصف ما نعاني منه اليوم: "الناس ما زالوا يعوّلون على تغيير البلاد بأيدي من أفسدوها." ويقول مراد: "نحتاج أولًا إلى ثورة وعي، قبل أي ثورة بالسلاح، ليعرف الجميع لماذا نحارب!" يرد عليه علي بلغة تفصح عن فكر واحد وقناعة مشتركة: "الجهل يجعل الناس في الغالب يصطفون في جبهة ضد أنفسهم ومصالحهم." يسأل مراد: "وهل كانت كل ثوراتنا ضرورية؟" فيجيب علي بسؤال آخر مكمل: "أترانا لا زلنا نناضل حقًا؟"

"هناك خلط بين الحرب والثورة،" يقول مراد ويضيف: "ما زلنا ثوارًا كما كنا، لكننا فهمنا الحروب بشكل أوضح، خاصة بعد أن شهدنا حرب 13 يناير، ورأينا الآلاف يُقتلون بسبب حفنة من الأشخاص. ألم تكن حرب 13 يناير وجهًا آخر للحروب الوسطى؟"

هذا السؤال موجه في ظاهره لعلي وفي جوهره لنا، لذلك ينتقل علي لملاحظة تخاطب أيضًا حاضرنا: "أي ثورة جديدة يظل شبح سرقتها حاضرًا، وخطر تحوّلها إلى حرب تنحرف عن أهدافها قائم، كما حدث للثورات السابقة، ولثورات عديدة في العالم."

وبلغة تبرئ الحروب الوسطى من تهمة المصالح الفئوية وتحاول أن تضع حدا للهروب، يقول مراد: "نحن نقاتل من أجل الحياة لا من أجل الموت."

قيمة الرواية: ما وراء التوثيق

قيمة "الهروب الأخير" لا تكمن في كونها تؤرّخ لمرحلة فحسب، بل في كونها تحوّل هذه المرحلة إلى سؤال مفتوح: لماذا تتكرر الهزائم؟ ولماذا تفشل المشاريع الكبرى حين تصطدم بالبنى الصغرى التي لم تُمسّ؟

بهذه الخلاصة تقول رواية: إن المأزق لم يكن سياسيًا فقط، بل اجتماعيًا وثقافيًا وأخلاقيًا، وإن ما جرى في تلك السنوات لم يكن سوى فصل مكثف من سردية أطول، وما تزال مستمرة بأشكال أخرى.

نصٌّ يسرد الواقع المأساوي والغايات التحررية والثورية، ويسلّط الضوء على ما يشوب النزعات الثورية من سلبياتٍ قد تفضي إلى ترسيخ الواقع البائس أكثر، وصولًا إلى نهايةٍ مأساويةٍ متوجةٍ بنُبل الصداقة، وبالحيرة المعلّقة بين الأمل واليأس، قبل أن ينتصر الأمل في صيغةٍ عائليةٍ متشبثةٍ بالحياة.

 

تقديم الرواية وإنتاج لوحة الغلاف بالذكاء الاصطناعي: رياض الحَمَّادي